ابن خلدون
202
تاريخ ابن خلدون
أجاز المسلمون إلى أرض انكبردة من البر الكبير وملكوا منها مدينة وسكنوها وفى سنة أربع وثلاثين صالح أهل رغوس وسلموا المدينة للمسلمين فهدموها بعد أن حملوا جميع ما فيها وفى سنة ثلاث وثلاثين توفى أمير صقلية محمد بن عبد الله بن الأغلب واجتمع المسلمون بعده على ولاية العباس بن الفضل بن يعقوب بعد موت أميرهم وكتب له محمد ابن الأغلب بعهده على صقلية وكان من قبل يغزو ويبعث السرايا وتأتيه الغنائم ولما جاءه كتاب الولاية خرج بنفسه وعلى مقدمته عمه رياح فعاث في نواحي صقلية وردد البعوث والسرايا إلى قطانية وسرقوسة وبوطيف ورغوس فغنموا وخربوا وحرقوا وافتتح حصونا جمة وهزم أهل قصريانة وهي مدينة ملك صقلية وكان الملك قبله يسكن سرقوسة فلما فتحها المسلمون كما ذكرناه انتقل الملك إلى قصريانة وخبر فتحها أن العباس كان يردد الغزو إلى نواحي سرقوسة وقصريانة شاتية وصائفة فيصيب منهم ويرجع بالغنائم والأسارى فلما كان في شاتية منها أصاب منهم أسارى وقدمهم للقتل فقال له بعضهم وكان له قدر وهيبة استبقني وأنا أملك قصريانة ودولهم على عورة البلد فجاؤوها ليلا ووقفهم على باب صغير فدخلوا منه فلما توسطوا البلد وضعوا السيف وفتحوا الأبواب ودخل العباس في العسكر فقتل المقاتلة وسبى بنات البطارقة وأصاب فيها ما يعجز الوصف عنه وذل الروم بصقلية من يومئذ وبعث ملك الروم عسكرا عظيما مع بعض بطارقته وركبوا البحر إلى مرسى سرقوسة فجاءهم العباس من بليرم فقاتلهم وهزمهم وأقلع فلهم إلى بلادهم بعد أن غنم المسلمون من أسطولهم ثلاثة أو أكثر وذلك سنة سبع وثلاثين وافتتح بعدها كثيرا من قلاع صقلية وجاء مدد الروم من القسطنطينية وهو يحاصر قلعة الروم فنزلوا سرقوسة وزحف إليهم العباس من مكانه وهزمهم ورجع إلى قصريانة فحصنها وأنزل بها الحامية ثم سار سنة سبع وأربعين إلى سرقوسة فغنم ورجع واعتل في طريقه فهلك منتصف سنته ودفن في نواحي سرقوسة وأحرق النصارى شلوه وذلك لاحدى عشرة سنة من امارته واتصل الجهاد بصقلية الفتح وأجاز المسلمون إلى عدوة الروم في الشمال وغزوا أرض فلورية وانكبرده وفتحوا فيها حصونا وسكن بها المسلمون ولما توفى العباس اجتمع الناس على ابنه عبد الله وكتبوا إلى صاحب إفريقية وبعث عبد الله السرايا ففتح القلاع وبعد خمسة أشهر من ولايته وصل خفاجة بن سفيان من إفريقية على صقلية في منتصف ثمان وأربعين وأخرج ابنه محمودا في سرية إلى سرقوسة فعاث في نواحيها وخرج إليهم الروم فقاتلهم وظفر ورجع ثم فتح مدينة نوطوس سنة خمس وخمسين إلى سرقوسة وجبل النار واستأمن إليه أهل طرميس ثم غدروا فسرح ابنه محمدا في العساكر وسبى أهلها ثم سار خفاجة إلى رغوس